عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
174
اللباب في علوم الكتاب
591 - قد كاد من طول البلى أن يمصحا « 1 » وهي عكس « عسى » وذكروا ل « كاد » تفسيرين : أحدهما : قالوا : نفيها إثبات وإثباتها نفي ، فقوله : كاد يفعل كذا ، معناه : قرب من أن يفعل ، لكنه ما فعله . والثاني : قال عبد القاهر النحوي : إن « كاد » لمقاربة الفعل ، فقوله : « كاد يفعل » [ معناه ] « 2 » قرب من فعله . وقوله : « ما كاد يفعل » معناه : ما قرب منه . وللأولين أن يحتجوا بهذه الآية ؛ لأن قوله : « وَما كادُوا » معناه ما قاربوا الفعل ، ونفى المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل ، فلو كانت « كاد » للمقاربة لزم وقوع التناقض في الآية ، وقد تقدم الكلام على كاد عند قوله يَكادُ الْبَرْقُ [ البقرة : 20 ] . فصل في النسخ بالأشقّ روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال : لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأت عنهم ؛ لكنهم شددوا على أنفسهم ، فشدد اللّه - تعالى - عليهم « 3 » ، فعلى هذا نقول : التكاليف متغيرة فكلفوا في الأول أية بقرة كانت ، فلما لم يفعلوا كلفوا بأن تكون لا فارضا ولا بكرا ، قيل : عوان ، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون صفراء ، فلما لم يفعلوا كلّفوا أن تكون مع ذلك لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ؛ لأنه قد ثبت أنه لا يجوز تأخير البيان ، فلا بد من كونه تكليفا بعد تكليف وذلك يدلّ على نسخ الأسهل « 4 » بالأشقّ
--> ( 1 ) تقدم برقم ( 243 ) . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 204 ) وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس كما في « الدر المنثور » ( 1 / 151 ) . ( 4 ) اتفق الأصوليون على جواز نسخ الحكم بأخفّ ، أو مساو . واختلفوا في جوازه بأثقل : فالجمهور ذهب إلى جوازه عقلا ، ووقوعه شرعا ، ومنع ذلك طائفة ؛ منهم الإمام الشافعي - رضي اللّه تعالى عنه - مفترقين إلى فرقتين : فرقة منعت جوازه عقلا ووقوعه شرعا ، وفرقة منعت وقوعه شرعا فقط . والدّليل على جوازه عقلا : هو أننا إمّا أن نعتبر المصلحة في فعله - تعالى - أم لا ، فإن ذهبنا إلى اعتبار المصلحة ، فلعل المصلحة تكون في رفع الحكم ، والإتيان بما هو أثقل منه ، وإن ذهبنا إلى عدم اعتبارها ، فله أن ينسخ الحكم ويأتي بما هو أخفّ وأثقل ؛ حيث هو الفاعل المختار . والدّليل على وقوعه شرعا : ما ثبت من نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، والظاهر أن انتساخه كان بالتخيير بين صوم رمضان كله ، وبين فدية كل صوم ، ولا شكّ أن هذا التخيير أشق على الإنسان من صوم يوم واحد ، وإنكاره مكابرة . وأما على قول من قال : « لم يشرع تخيير قط » بل أوجب الصوم في شهر رمضان كله ابتداء ، بدل هذا الصوم الواحد ، والآية في حق الشيخ الفاني ؛ فالأمر أظهر . -